سيد محمد طنطاوي
267
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يستطع إحداها ، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال : * ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) * . أي : فمن لم يجد ما يكفر حنثه في يمينه من إطعام أو كساء أو تحرير رقبة فعليه حينئذ أن يصوم ثلاثة أيام ، تطهيرا لنفسه ، وتكفيرا عن ذنبه ، وتقوية لإرادته وعزيمته . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) * يعود إلى المذكور من الإطعام والكساء وتحرير الرقبة والصوم . أي : ذلك الذي شرعناه لكم كفارة لأيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فيها ، وخالفتم طريق الحق الذي أمركم اللَّه تعالى باتباعه . وقوله : * ( واحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) * أمر من اللَّه تعالى لعباده بأن يصونوا أنفسهم عن الحنث في أيمانهم ، وعن الإكثار منها لغير ضرورة ، فإن الإكثار من الحلف بغير ضرورة يؤدى إلى قلة الحياء من اللَّه تعالى . كما أن الحلف الكاذب يؤدى إلى سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له . وقوله : * ( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ آياتِه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * تذييل قصد به التذكير بنعم اللَّه حتى يداوم الناس على شكرها وطاعة واهبها عز وجل . أي : مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه الخير والفلاح ، يبين اللَّه لكم آياته المشتملة على الأحكام الميسرة ، والتشريعات الحكيمة ، والهدايات الجليلة لعلكم بذلك تستمرون على شكر اللَّه وطاعته ، وتواظبون على خشيته ومراقبته فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي : 1 - أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها . أي : لا عقوبة عليها في الآخرة ولا كفارة لها في الدنيا لقوله تعالى : * ( لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) * . ونعني بها - كما سبق أن أشرنا - أن يقول الرجل من غير قصد الحلف لا واللَّه وبلى واللَّه . ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الحلف إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو لذلك لأن الإكثار من الحلف يسقط مهابة الإنسان ، وقد يفضى به إلى الاستهانة بالآداب الحميدة التي شرعها اللَّه . قال تعالى : ولا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ولَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ « 1 » . 2 - أن اليمين التي يحلفها الحالف بالقصد والنية وهو كاذب فيها ، يستحق صاحبها العذاب
--> ( 1 ) سورة النحل الآية 94 .